الغزالي
23
إحياء علوم الدين
تقيا محتاجا . أي لا يترك التقى فاقدا لضرورته ، بل يلقى الله في قلوب المسلمين أن يوصلوا إليه رزقه . وقال المفضل الضبي ، قلت لأعرابي ، من أين معاشك ؟ قال نذر الحاج ، قلت فإذا صدروا ؟ فبكى وقال ، لو لم نعش إلا من حيث ندري لم نعش . وقال أبو حازم رضي الله عنه : وجدت الدنيا شيئين . شيئا منهما هو لي ، فلن أعجله قبل وقته ، ولو طلبته بقوة السماوات والأرض ، وشيئا منهما هو لغيري ، فذلك لم أنله فيما مضى ، فلا أرجوه فيما بقي يمنع الذي لغيري منى ، كما يمنع الذي لي من غيري . ففي أي هذين أفنى عمري ، فهذا دواء من جهة المعرفة ، لا بد منه لدفع تخويف الشيطان وإنذاره بالفقر الثالث : أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء وما في الحرص والطمع من الذل فإذا تحقق عنده ذلك ، انبعثت رغبته إلى القناعة ، لأنه في الحرص لا يخلو من تعب ، وفي الطمع لا يخلو من ذل . وليس في القناعة الا ألم الصبر عن الشهوات والفضول . وهذا ألم لا يطلع عليه أحد إلا الله ، وفيه ثواب الآخرة . وذلك مما يضاف إليه نظر الناس ، وفيه الوبال والمأثم . ثم يفوته عز النفس ، والقدرة على متابعة الحق . فإن من كثر طمعه وحرصه كثرت حاجته إلى الناس ، فلا يمكنه دعوتهم إلى الحق ، ويلزمه المداهنة . وذلك يهلك دينه . ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن ، فهو ركيك العقل ، ناقص الإيمان . قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « عزّ المؤمن استغناؤه عن النّاس » ففي القناعة الحرية والعز ولذلك قيل ، استغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره الرابع : أن يكثر تأمله في تنعم اليهود ، والنصارى ، وأراذل الناس ، والحمقى من الأكراد ، والأعراب الأجلاف ، ومن لا دين لهم ولا عقل ، ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء ، والأولياء ، وإلى سمت الخلفاء الراشدين ، وسائر الصحابة والتابعين . ويستمع أحاديثهم ، ويطالع أحوالهم ، ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة